محمد الريشهري

11

إكسير المحبة

الأوّل : طريق البرهان ، وهو ما يستند عليه الإيمان . والثاني : طريق الشهود ، والذي يُسمّى باليقين ، ولهذا فإنّنا عندما نقول إنّ معرفة اللَّه مبدأ لمحبّته ، يتبادر إلى أذهاننا تساؤل عن نوع تلك المعرفة ، وهل هي المعرفة البرهانيّة ، أو الشهوديّة ، أو كلاهما ؟ والجواب هو : كلاهما ؛ إذ كلّما ازدادت معرفة الإنسان باللَّه ، يزداد بنفس ذلك المقدار معرفةً بجماله وكماله ، ويصبح أكثر انجذاباً إليه ، ومعنى هذا : إنّ المعرفة البرهانيّة يمكن أن تكون سبباً أيضاً لمحبّة اللَّه ، ولهذا السبب حينما سُئِل : « كَيفَ احَبِّبُكَ إلى خَلقِكَ ؟ » قال : « اذكُر أيادِيَّ عِندَهُم ؛ فَإِنَّكَ إذا ذَكَرتَ لَهُم ذلِكَ أحَبّوني » « 1 » . ولكن لا شكّ في أنّ المعرفة التامّة - والتي يُعبَّر عنها بالعشق - لا تُنال إلّاعن طريق المعرفة الشهوديّة ، وهو ما عبّر عنه بعض أهل المعرفة بقولهم : « وخلاصة القول هي : أنّ الإنسان لا يصير عاشقاً للَّه ما لم يعرفه معرفة شهوديّة . وإذا أصبح عارفاً عن هذا الطريق فحينئذٍ يرى كلّ المحاسن في اللَّه « آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ » « 2 » ، وفي مثل هذه الحالة من المستحيل أن يلتفت الإنسان إلى غير اللَّه » . أعلى درجات المحبّة وعلى هذا الأساس فإنَّ الذين يعرفون اللَّه معرفة شهوديّة ، قد وصلوا إلى أعلى درجات المحبّة والعشق ، وهم على طائفتين : الملائكة ،

--> ( 1 ) . قصص الأنبياء : 205 / 266 ، بحار الأنوار : 70 / 22 / 19 . ( 2 ) . النمل : 59 .